ماهية الصناديق السيادية – علي حمودي

صناديق الثروة السيادية (المحافظ السيادية)  هي محافظ إستثمارية مُكلفة بإدارة الثروات والإحتياطات المالية للحكومات والدول، وتتكون من أصول مثل الأراضي، الأسهم، السندات، نسب مباشره في شركات، عقارات تجاريه و أدوات إستثمارية أخرى، تسعى الحكومات إليها للمحافظة على ثرواتها من ناحية وزيادة  عوائدها من ناحية أخرى أي أنها هي الذراع الإستثماري لدى الدول التي تمتلك فوائض مالية.

والصناديق السيادية تعتبر أيضاً صناديق ذات أهداف تحوطية تُدار بدقة عالية لتحقق أهدافها ويمكن اللجوء إليها في المستقبل عند الحاجة إليها مثلاً في الأزمات الإقتصادية.

ويرجع سبب نشأة الصناديق السيادية إلى ظهور حاجة البلدان التي تمتلك مدُخرات كبيرة  للحفاظ على هذه المدخرات بل وزيادة أرباحها ولكن لا يتم إستثمارها في أصول عالية الخطورة حيث أنها مملوكة للدولة و تستثمر بالأصول التقليدية حيث أن بعض الدول تكون مدخراتها عبارة عن ملكيتها لثروة السلع (خصوصاً النفط والغاز)، كما هو الحال في الصين وسنغافورة الذين لديهم فائض تجاري كبير.

ويرى معظم الخبراء أن ظهور تلك الصناديق وتأثيرها العالمي شكل مؤشر إيجابي في عالم أسواق المال، فعلى سبيل المثال سارعت تلك الصناديق إلى ضخ الأموال في بنية الإقتصاد الأمريكي في ما فرّ معظم المستثمرين من السوق الأمريكي جراء المخاوف المترافقة مع إحتمال تعرض ذلك الإقتصاد للركود والإنكماش خلال الأزمة المالية.

وهناك أيضاً من يرى جوانب سلبية لهذه الصناديق خاصة لإفتقارها إلى الشفافية في عملها إذ أن مُعظمها لا يكشف عن حجمه أو نشاطته أو عوائد إستثماراته، وأثرت هذه السرية على دوافع خياراتها الاستثمارية ، فبعض الدول تبدي قلقها حيال إحتمال أن تقوم الدول المالكة للصناديق بممارسة نفوذها السياسي على الشركات التي تستحوذ عليها وبذلك تمسك بمفاصل القرار الإقتصادي فيها.

كذلك  قلة الأمان في الإستثمار الخارجي الذي يتمثل في عملية تجميد الأموال بسبب الخلافات السياسية أو بالأصح عند عدم الرضوخ للضغوط ناهيك عن إحتمال التعرض إلى تهمة الإرهاب الجاهزة والتي يمكن أن تلصق بالإفراد والمؤسسات والدول وحتى الإستثمارات إذا لزم الأمر.

وهذه الصناديق ليست بظاهرة جديدة، بل يعود تاريخ بعضها إلى الخمسينات من القرن الماضي ، لكنها بدأت تنشط بصورة كبيرة مؤخراً، بخلاف ما يعتقده البعض حول أن تلك الصناديق ظاهرة حصرية  في دول الخليج العربي فهناك عدة دول حول العالم تمتلك صناديق مماثلة لها،  ومن بينها النرويج التي تمتلك أحد أكبر الصناديق حول العالم والتي تقدر موجوداته بأكثر من 818 مليار دولارعلى حسب أخر بيانات، وكذلك تدير كل من سنغافورة والصين وروسيا صناديق مماثلة ذات وزن كبير، وكذلك أسست كل من التشيلي و فنزويلا صناديق من هذا النوع.

تتفاوت الأرقام التي تحدد موجودات تلك الصناديق بشكل واسع خاصة وأن عدداً كبيراً منها لا يعلن عن حجم أمواله، ولكن تقريباً فإن مجموعها يسيطر على نحو 2200 مليار دولار، وتوجد منها 2100 مليار دولار في أكبر 20 صندوقاً. وتعود ملكية أكبر سبعة منها (مرتبة حسب حجمها التقديري) إلى الحكومات التالية: النرويج (893 مليار دولار)، أبو ظبي (773 مليار دولار)، السعودية (757 مليار دولار )، الصين (568 مليار دولار)، الكويت (548 مليار دولار)، سنغافورة – الشركة الاستثمارية لحكومة سنغافورة (320 مليار دولار)، قطر (256 مليار دولار), روسيا (81.74 مليار دولار)

ويقدر حجم موجودات تلك الصناديق ما يعادل 12 في المائة من إجمالي القيم المتداولة في بورصة نيويورك أو 42 في المائة من إجمالي القيم المتداولة في بورصة طوكيو تقريباً، ومن المتوقع أن حجم الأموال التي ستمتلكها تلك الصناديق خلال عقد من الزمن ستتجاوز 13.4 ترليون دولار، فيما تقدر “مورغان ستانلي” أن تبلغ الموجودات 17.5 ترليون دولار.

ومن هذه الصناديق في الامارات  جهاز أبوظبي للاستثمار تأسس عام 1976 بناءً على أوامر من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة بهدف استثمار الفائض من أموال الحكومة في أنواع مختلفة من الأصول ذات المخاطر القليلة، في ذلك الوقت أعتبر هذا القرار غير مألوف، حيث كان الدارج استثمار أغلب احتياطي أموال الحكومات في الذهب أو الاستثمارات قصيرة المدى في الديون، حتى في هذه الايام تلجأ أغلب الحكومات لاستراتجية الاستثمار في الأوراق والسندات  قصيرة المدى، ويدير الجهاز حاليا كمية ضخمة من رأس المال، يعتبر هذا الجهاز من أكبر الصناديق السيادية في العالم وهذا بالنظر إلى حجم موجوداته بالدولار الأمريكي ونسبة تلك الموجودات لإجمالي الناتج المحلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي دخل مؤخراً في صفقة لشراء حصة 4.9% من مجموعة «سيتي جروب» مقابل 7.5 مليار دولار وهي تعد أكبر صفقة لشراء حصة غير مسيطرة في بنك غربي. وهنالك  أيضاً هيئات سيادية تابعة لحكومة دبي استثمرت في أصول وشركات آسيوية مثل تصل بنك «آي سي اس اي» الهندي، و شركة صناعات الالكترونيات اليابانية سوني.

أما في دولة قطر يوجد جهاز قطر للاستثمار هو صندوق ثروة سيادي يرأسه تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني. وهو مختص بالاستثمار المحلي والخارجي. أسسته حكومة قطر في عام 2005 لإدارة فوائض النفط والغاز الطبيعي. كنتيجة لإستراتيجية الصندوق في التقليل من مخاطر اعتماد قطر على أسعار الطاقة، فإنه يستثمر في الغالب في أسواق عالمية (الولايات المتحدة وأوروبا ودول آسيا والمحيط الهادئ) إضافة إلى الاستثمار في قطر خارج قطاع الطاقة، ويمتلك هذا الجهاز حوالي 6% من إي أي دي إس، و15.1% من أسهم سوق لندن للأوراق المالية، و17% من مجموعة فولكس فاجن، وكما يعتبر أحد المساهمين في مجموعة لاغاردار بنسبة 12.83%، في 31 مايو 2011، اشترى جهاز قطر للإسثمار 70% من نادي باريس سان جيرمان لكرة القدم. في 6 مارس 2012، أكمل الجهاز شراء ال30% الباقية. وهنا أصبح الجهاز يمتلك النادي 100%، في 4 يونيو 2012، اشترى الجهاز 100% من رأس مال نادي باريس سان جيرمان لكرة اليد، اشترى الجهاز كذلك في باريس مجموعة من الفنادق وهي فندق لومبار، فندق كينسكي، فندق لاندولفو كاركانو، فندق إفرو، فندق ماجيستيك، فندق غراي دالبيون، فندق كواسلان، وكذلك في شارع الشانزلزيه في باريس، ويمتلك الجهاز أبنية مقار كل من فيرجن ميغاستور، إتش إس بي سي، ليدو، رويال مونسو، وبينانس.

أما في السعودية التيلديها  مؤسسة النقد العربي السعودي والتي صنفت دوليا على أنها صندوق سيادي وتدر عائدا يماثل الذي تحققه الصناديق السيادية العالمية، وتتولى مؤسسة النقد العربي السعودي حاليا إدارة استثمارات المملكة من إيرادات النفط في الأسواق الخارجية ، تصدرت السعودية المركز الثالث عالمياً بحجم الصناديق السيادية بعد أن كانت تحتل المركز الرابع وحلت الثانية عربياً، وتمتلك المملكة أربعة من هذه الصناديق وهم:

مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) وهي الصندوق السيادي الرئيسي تحت مظلة الدولة ورقابتها، صندوق الاستثمارات العامة، صندوق معاشات التقاعد، صندوق التأمينات الاجتماعية.

وأيضاً في دولة الكويت تتمثل الصناديق السيادية  بهيئة الاستثمار الكويتية بـ213 مليار دولار.

تعتبر عائدات النفط المصدر الأساسي للأموال أكبر الصناديق الاستثمارية السيادية في العالم، وبالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما قبل سنة ٢٠١٤ وازدياد واردات الدول المنتجة للخامات ازدادت ثروات هذه الصناديق، فالثروات الخليجية أصبحت أوسع وأكثر تركيزاً فمجموع أصول الصناديق السيادية لكل من المملكة والإمارات والكويت تشكل وحدها فقط ما يصل إلى (50%) من مجمل الصناديق السيادية في مختلف أنحاء العالم، كما تعتبر الاحتياطيات النقدية الأجنبية مصدراً أساسياً أيضاً،ومن المتوقع حدوث تغير في قائمة أكبر الصناديق السيادية حول العالم خلال عام (2015) وذلك نتيجة التغيرات التي حدثت في أسعار النفط.

لذلك نرى إقبال كبير على هذه الصناديق من قبل بعض الدول الحريصة على عدم وضع البيض في سلة واحدة وخير مثل على ذلك الصين التي تملك أربعة صناديق سيادية هي شركة الصين للاستثمار ومحفظة الاستثمار التابعة لمؤسسة النقد في هونغ كونغ والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وشركة سيف للاستثمار ومثل أمريكا التي تملك ثلاثة صناديق استثمارية والإمارات التي تملك صندوقين استثماريين وهذا أسلوب تحوطي ممتاز لأنه يقلل المخاطر الاستثمارية  ويعطي فرصاً أكبر لتعظيم الفوائد على الثروات المستثمرة. كما أنها تعد محركاً استراتيجياً للتأثير عالمياً عبر التكتلات المالية العالمية.

ونشير إلى وجوب الحذر أن يتم إنشاء صندوق سيادي واحد بديلاً  للصناديق  القائمة لأن مثل هذا الأسلوب يعد مخاطرة كبرى ولنا عبرة في شركات وبنوك كبرى انهارت بين عشية وضحاها في الدول المتقدمة نتيجة لأزمة الرهن العقاري في أمريكا عام (2008) وتداعياتها وذهبت نتيجة لذلك أموال الناس ومدخراتهم أدراج الرياح حتى وإن تحمل الصندوق الفدرالي للتأمين بعضاً منها ولكن الخطر يبقى قائماً إذا تفاقمت أزمة الدين الأمريكي فما هو مصير الاستثمارات الضخمة في أوراق الخزينة الأمريكية وغيرها.

وعلى العموم فإن الصناديق السيادية هي  الملجأ الأخير للدول ذات فائض مالي في الوقت الحالي عند حدوث  الازمات في المستقبل، ويجب أن يتم إنشاء أكثر من صندوق حتى يكون هناك تنوع وتوازن بالاستثمارات  و أن  تتمتع بالتحوط  وأن يتم  إدارتها من خلال نخبة إداريين محترفيين للحصول على النتائج المطلوبة.

علي حمودي
Follow me: @ahamoudi on Twitter |